تعافي القطاع الصحي في لبنان: من الإغاثة الطارئة إلى بناء نظام أكثر صمودًا

امفنت
أبريل 29، 2026

تعافي القطاع الصحي في لبنان: من الإغاثة الطارئة إلى بناء نظام أكثر صمودًا


يمرّ لبنان بمرحلة مفصلية وحساسة. فرغم التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، ما تزال تداعيات الأزمة الإنسانية والصحية تؤثر بشكل كبير على المجتمعات في مختلف أنحاء البلاد. ولا تزال آلاف العائلات نازحة، فيما تعرضت المنازل والبنية التحتية لأضرار واسعة، كما تواصل الخدمات الصحية عملها بدرجات متفاوتة من الضغط، لا سيما في المناطق الأكثر تضررًا. ومن هنا، لم يعد التعافي يقتصر على تعويض الخسائر وإعادة الإعمار، بل أصبح يتطلب تعزيز قدرة النظام الصحي على التكيف مع النزوح الداخلي المستمر والضغوط المتواصلة على تقديم الخدمات في المناطق المتأثرة والمناطق المستضيفة على حد سواء.

 

وبحسب أحدث تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية حول الوضع الصحي في لبنان بتاريخ 20 نيسان، ما يزال الوضع غير مستقر رغم انخفاض حدة العنف. فقد بدأت العديد من الأسر النازحة بالعودة إلى مناطقها، لتجد منازل متضررة، وبيئة غير آمنة، وخدمات عامة متراجعة. كما لا تزال المرافق الصحية في عدد من المناطق تواجه تحديات تشغيلية، من بينها نقص الأدوية، والضغط الكبير على الكوادر الصحية، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

 

ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها العاملون الصحيون والعاملون في المجال الإنساني للحفاظ على استمرارية الخدمات الصحية الأساسية خلال الأزمة، ما تزال الاحتياجات قائمة وبشكل ملح. وتؤكد الجهات الميدانية على أهمية استمرار الدعم للمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية والملاجئ التي تؤوي النازحين، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية المتأثرة.

 

وفي الوقت نفسه، ورغم استمرار الحاجة إلى الاستجابة الطارئة، ينبغي أن تتجه جهود التعافي في لبنان إلى ما هو أبعد من التدخلات الفورية. فهناك حاجة إلى وضع خطة تعافٍ صحي منسقة على المستوى الوطني، تقوم على أربع أولويات رئيسية:

 

أولاً، إعادة تفعيل خدمات الرعاية الصحية الأولية. فبحسب منظمة الصحة العالمية حتى 20 نيسان، لا يزال 51 مركزاً للرعاية الصحية الأولية مغلقاً، فيما تعمل ثمانية مراكز بشكل محدود يقتصر بشكل أساسي على إدارة الأمراض المزمنة وتقديم خدمات الطوارئ. وقد أدى ذلك إلى زيادة الضغط على المرافق العاملة وتقليص توفر الخدمات، لا سيما في مناطق عودة النازحين. كما تحتاج المجتمعات إلى مراكز صحية قادرة على تقديم الاستشارات الروتينية ورعاية الأمراض المزمنة. ومن ثم، فإن تعزيز الرعاية الأولية يعدّ خطوة أساسية لتخفيف الضغط على المستشفيات وضمان وصول الخدمات بشكل أقرب إلى السكان المتأثرين.

 

ثانيًا، ضمان توفر الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، إلى جانب تحسين قدرة المنظمات على الوصول إلى المناطق المتضررة والعمل فيها، وهو أمر ضروري لاستعادة خدمات الرعاية الميدانية والاستجابة للاحتياجات المتغيرة في ظل انعدام الاستقرار وتضرر البنية التحتية. ويشمل ذلك الحفاظ على استمرارية سلاسل الإمداد، وتمكين الجهات الفاعلة ميدانيًا من الوصول إلى السكان المتضررين بشكل سريع وفعّال، رغم القيود التشغيلية القائمة.

 

ثالثًا، دعم الصحة النفسية والرفاه النفسي والاجتماعي. فقد خلّفت سنوات من الأزمات والنزوح وانعدام الاستقرار آثارًا نفسية عميقة، لا سيما بين الأطفال والنساء والعاملين في الخطوط الأمامية. وقد شهدت خدمات الصحة النفسية والدعم المجتمعي في لبنان توسعًا تدريجيًا منذ جائحة كوفيد-19، من خلال إنشاء مركز اتصال يعمل على مدار الساعة لتلقي البلاغات المجتمعية، وتقديم المعلومات، وإحالة الحالات التي تحتاج إلى دعم نفسي إلى المنظمات غير الحكومية المختصة. وبعد حرب عام 2024، تم إنشاء خط ساخن منفصل ومخصص لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي المباشر إلى عموم السكان. ويُعد هذا النظام المتكامل والشامل ممارسة وطنية رائدة. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى تعزيز هذه الخدمات بشكل أكبر، ولا سيما من خلال تطوير مهارات التواصل لدى موظفي مركز الاتصال والمتطوعين، بما يمكّنهم من الاستجابة بشكل أفضل خلال حالات الطوارئ.