يتجه الوضع في لبنان نحو مزيد من التدهور مع احتدام المواجهات في الآونة الأخيرة، حيث تتسع رقعة العنف وتتجدد الضربات الجوية، ما يفاقم واقعا إنسانيا كان هشا بالأساس. هذه التطورات تدفع الوضع نحو واحدة من أكثر مراحله تعقيدا وحدّة، مع تزايد أعداد الضحايا المدنيين واستمرار موجات النزوح، في وقت يرزح فيه النظام الصحي تحت ضغط يفوق قدرته على الاستيعاب.
في حصيلة دامية ليوم الثامن من نيسان/أبريل 2026 وحده، كشفت منظمة الصحة العالمية عن سقوط نحو 300 قتيل وإصابة 1,150 آخرين. هذا التدفق الهائل وضع غرف الطوارئ في صراعٍ مرير مع الزمن لإنقاذ الأرواح، وسط مشهد مأساوي لم يسلم منه حتى الذين هبّوا للمساعدة؛ حيث طالت النيران فرق الاستجابة والكوادر الطبية، فيما لا يزال عدد من الضحايا عالقين تحت الأنقاض.
أمام هذا المشهد القاسي، يجد النظام الصحي نفسه في مواجهة مباشرة مع خطر الانهيار، حيث تعمل المستشفيات في كافة أنحاء البلاد بأقصى طاقتها وفق خطط طوارئ "الإصابات الجماعية". وبينما لا تهدأ غرف الطوارئ ووحدات الحالات الحرجة من وطأة تدفق الجرحى، تشتد الأزمة مع نفاد الإمدادات الطبية المنقذة للحياة؛ ما يضع الكوادر الطبية أمام خيارات مستحيلة بين الحفاظ على الرعاية العاجلة وبين واقع النقص الحاد في المستلزمات الأساسية.
في قلب الاستجابة، يقف العاملون في القطاع الصحي على خط المواجهة، يواصلون أداء واجبهم في ظروف تزداد قسوة يوما بعد يوم. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى مقتل أكثر من 50 من الكوادر الصحية وإصابة ما يزيد عن 150 آخرين خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر واضح على حجم المخاطر التي يواجهونها أثناء تقديم الرعاية.
واليوم، يواصل هؤلاء العمل لساعات طوال بلا كلل، داخل ردهات منهكة وبأقل الإمكانات، يطاردون الموت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما يحمل كل منهم في قلبه غصة شخصية؛ فهم نازحون في وطنهم، فاقدون للأمان في بيوتهم، لكنهم باقون في مواقعهم إيمانا بالرسالة.
تحت وطأة هذا التصعيد، تجد خدمات الإسعاف نفسها أمام ضغط متصاعد ومخاطر متزايدة، تعمل في بيئة شديدة التعقيد تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من الأمان. فصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة وتعطّل مسارات العبور الآمن يعرقلان قدرتها على الوصول إلى المصابين ونقلهم في الوقت المناسب. ومع كل دقيقة تأخير، تتراجع فرص الاستجابة السريعة، ما يفاقم العبء على خدمات الرعاية ما قبل دخول المستشفى ويزيد من تعقيد التنسيق بين مكونات الاستجابة الطارئة.
ومع استمرار هذا الضغط بالتراكم، تتصاعد المخاوف من انزلاق الأزمة إلى قلب الخدمات الصحية الأساسية، خصوصا تلك التي لا تحتمل أي انقطاع. فمع توجيه الموارد نحو الاستجابة الطارئة وتقييد الوصول إلى المرافق، تصبح خدمات الأمراض غير السارية، إلى جانب رعاية الأمومة والطفولة، أكثر عرضة للتراجع والتعطل.
هذا الخلل يطال بشكل مباشر الفئات الأكثر هشاشة، التي تقوم حياتها على المتابعة المنتظمة والعلاج المستمر، ما يعرّضها لمخاطر متزايدة مع كل انقطاع أو تأخير في تقديم الرعاية.