تتواصل الأزمات في لبنان، وتتداخل آثارها على نحو يضاعف الضغوط التي تتحملها منظومة الصحة العامة، ويكشف تباعًا عن احتياجات تتطلب من يسمعها، وثغرات تستوجب المعالجة. وفي واقع يتغير باستمرار، تغدو جهود كسب التأييد ضرورة تضمن بقاء قضايا الصحة العامة حاضرة في دائرة الاهتمام، وألا تغيب احتياجات الفئات الأكثر هشاشة عن الاستجابة، وأن تستند القرارات والتدخلات إلى الأدلة، بما يعزز سرعة التحرك وتنسيق الجهود.
وتنقل هذه المقابلة مع الدكتور قاسم شعلان من الصليب الأحمر اللبناني جانبًا من الخبرة الميدانية في التعامل مع هذه التحديات، من خلال رؤيته لتعزيز أنظمة الإنذار المبكر والرصد، ومعالجة الفجوات في صحة النساء والأطفال، وتعزيز قدرة الخدمات الصحية الأساسية على مواصلة أداء دورها خلال حالات الطوارئ وما بعدها.
كيف يمكن لتعزيز منظومة الصحة العامة ووظائف الإنذار المبكر أن يحسن قدرة لبنان على الكشف السريع عن التهديدات الصحية خلال الطوارئ وما بعدها؟ وما الإجراءات الأساسية المطلوبة للحفاظ على هذه القدرات في سياقات الأزمات؟
لا يمكن الحديث عن كشف مبكر للتهديدات الصحية من دون منظومة صحة عامة متماسكة، ولا من دون منظومة إنذار مبكر قادرة على التقاط الإشارات الأولى قبل أن تتحول إلى فاشيات واسعة. وتصبح هذه القدرة أكثر إلحاحا في أوقات الطوارئ، حين تؤدي حركة السكان، والاكتظاظ، وتعطل الخدمات، وتراجع خدمات المياه والإصحاح والنظافة إلى تهيئة الظروف لانتشار الأمراض.
وفي لبنان، يتطلب الاكتشاف المبكر أكثر من كفاءة أنظمة الرصد؛ فهو يعتمد على ثقة المجتمع، والتواصل المتبادل معه، وقدرة أفراده على الإبلاغ السريع والآمن عن أي أحداث صحية غير اعتيادية.
وفي لبنان، تقوم منظومة الكشف المبكر على شبكة مترابطة من العناصر، تتقدمها أنظمة الرصد، ويعززها ما يحظى به العاملون في الميدان من ثقة المجتمع، وما يجمعهم به من تواصل متبادل ومستمر، إلى جانب قدرة أفراد المجتمع على الإبلاغ بسرعة وأمان عن أي أحداث صحية غير اعتيادية.
ويتعزز الكشف المبكر أيضًا بقدر ما تتكامل الجهود بين الجهات العاملة في المجتمع، والبلديات، ومراكز الرعاية الصحية الأولية، والمستشفيات، والمنظمات غير الحكومية، والصليب الأحمر اللبناني، ووزارة الصحة العامة، ووحدة الرصد الوبائي بشكل خاص. ويأتي الرصد المجتمعي في صميم هذا التكامل، لأنه يهيئ لنقاط الارتكاز المجتمعية والمتطوعين المدربين القدرة على التعرف إلى مؤشرات الإنذار المبكر والإبلاغ عنها، سواء تمثلت في تجمع حالات الإسهال، أو الاشتباه بالحصبة، أو التهاب الكبد (أ)، أو حالات التسمم الغذائي، أو الأعراض التنفسية، أو غيرها من الأمراض المعرضة للفاشيات.
وللحفاظ على هذه القدرات في ظل الأزمات، لا بد من مواصلة العمل على مجموعة من الإجراءات الأساسية، أبرزها:
ولا ينبغي النظر إلى الرصد باعتباره عملية لجمع البيانات فحسب، فجوهره أن يقود إلى استجابة صحية في الوقت المناسب، تبدأ بالتحقق من الإنذارات، واستقصائها، وإطلاع المجتمعات المحلية على نتائجها، ثم اتخاذ التدابير اللازمة. وعندها فقط يمكن الانتقال من الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الحدث، إلى منظومة صحة عامة أكثر استعدادا للمخاطر، وأكثر قدرة على استباقها، وأكثر صمودا في مواجهة الأزمات.
في ظل حالات الطوارئ المتواصلة في لبنان، كيف يمكن لمنظومة الصحة العامة أن ترصد بصورة أفضل الفجوات التي تؤثر في صحة النساء والأطفال، وأن تتعامل معها بما يدعم الاستجابة في الوقت المناسب ويعزز صمود الخدمات الصحية الأساسية؟
تتحمل النساء والأطفال النصيب الأكبر من آثار الأزمات، إذ تؤدي هذه الظروف إلى تعطل خدمات التطعيم، وتفاقم مشكلات سوء التغذية، وصعوبة الحصول على الرعاية أثناء الحمل، إلى جانب ما تفرضه ظروف المعيشة غير الآمنة من تحديات، وتراجع الوصول إلى خدمات مراكز الرعاية الصحية الأولية، والضغوط النفسية والاجتماعية، وارتفاع احتمالية التعرض للأمراض السارية. وتزداد هذه المخاطر بين النازحين، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر التي تعيلها نساء، واللاجئين، والمهاجرين، وسكان المناطق النائية أو المحرومة من الخدمات.
ويتطلب التعرف على الفجوات التي تمس صحة النساء والأطفال الاستفادة من مصادر متعددة للمعلومات وربطها ببعضها، بما يوفر صورة أشمل للاحتياجات الفعلية، ومن أبرزها: